سكت خالد قليلاً …. وأخذ يحدث نفسه … أنا أم سارة…أنا أم سارة كم هي صعبة الخيارات
ولكنه سيختار بالتأكيد سيختار رفع خالد رأسه وقال : اسمها سارة … سارة عبد المعطي.
أبتسم الضابط وقال : شاب صالح تعرف مصلحتك جيداً حسناً أكمل
خالد : كنت أشكي لها ضيقي وألمي لإختفاء سعاد ثم أعطتني ورقة وقالت أن أحدهم أعطاها إياها وهي في طريقها إلي وقال لها أن تسلمها لي .
الضابط : حسناً يا خالد لقد أخذنا أقوالك سنحقق في القضية .
خرج خالد وقلبه يعتصره من الندم كيف تخبرهم أنك تقابلها سيقتلها والدها ويقتلك معها أنت مجنون … مجنون فعلاً …
لا ولكن مصلحتي تقتضي ذلك
أنت أناني جداً يا خالد أناني جداً
عاد إلى السجن وهو أكثر حزنا مما سبق نظر إلى من حوله وهم ينظرون إليه نظرة شفقه وعيونهم تقول كم أنت صغير لتواجه آلام السجن يا فتى اتكأ على الجدار وأستغرق في ذكرياته القريبة … ذكريات البارحة كانت قدماه قد كلتا من المسير بحثاً عن سعاد وصوته قد بح من الصراخ وعند المغرب استراح بجانب شجرة محاولة إراحة قدميه وفكره مشغول على أخته ويتسائل كيف سيخبر والدته بأنه فقدها حتى رآها تتجه نحوه
خالد : ماذا تفعلين هنا يا سارة عودي إلى منزلكم سيراك أحدهم .
سارة وقد تجمعت في مقلتيها الدموع : لم استطع مقاومة شوقي لك يا خالد أسمع صراخك وأنا في غرفتي أنا جد حزينة لضياع سعاد ولكن أرحم نفسك يا خالد أرحم نفسك .
أبتسم خالد بلطافة وقال : لا عليك يا سارة أنا بخير عودي لمنزلك الآن قبل أن يراك أحد .
حاولت سارة أن ترسم ابتسامة صغيرة على وجهها وأعطت خالد الكيس الذي بيدها : أمسك هذا رغيف خبز صنعته لك بيدي معه شراب برتقال عصرته لك .
عبس خالد وقال : كم مرة قلت لك لا تجلبي لي شيئاً أتريدين أن يعلم أهلك أنك ترسلين الطعام لغريب .
سارة : ولكنك لست غريب … أنت خالد .
خالد : أعد غريباً بالنسبة لأهلك.
سارة : ولكنك لست كذلك بالنسبة لي .
خالد : سارة يكفي نقاشاً في هذا الموضوع.
سارة : خالد … الليلة …. أريد أن أراك .
خالد : سارة أسمعيني … إذا ضبطنا سوياً ستكون نهايتك أليمة فكري قبل أن تطلبي
سارة : أنا مصرة يا خالد .
تمتم خالد : حسناً حسناً .
وأخذ الصرة وذهب بعيداً بعد أن رأى خيال شخص آتي من بعيد .
سارة : الليلة يا خالد في مزرعتنا.
أما خالد فقد ذهب مبتعداً عن سارة حتى لا يوقعها في ورطة
وعندما أسدل الليل ستاره لم يعد خالد إلى البيت لأنه وبكل بساطة لا يعرف كيف يجيب والدته إذ ا سألته عن سعاد كان خالد قد أشتاق لسارة وأشتاق لأحد يواسيه في مصيبته فحث أقدامه للمسير إلى المزرعة وهو يحدث نفسه للتراجع في كل خطوه ولكنه في النهاية وصل …
وجدها تنتظره بشغف بالقرب من حضيرة المواشي أتجه لها وسلم .
سارة : أين كنت لقد تأخرت لدرجة أنني خلت أنك لن تأتي.
خالد : وها أنا أتيت .
سارة : خالد ما بك لا تبدوا طبيعياً .
ابتسم خالد لسذاجتها : وهل من يفقد أخته يكون طبيعياً .
سارة : آسفة … ولكني لم أعتد على رؤيتك بهذه الصورة.
خالد : لا عليك .
سارة : أمممممم …. خالد .
خالد : ؟؟؟؟؟؟؟
سارة : عندما كنت عائدة إلى المنزل استوقفنى أحدهم وأعطاني ورقة وأمرني أن أسلمها لك.
خالد : ومن هو هل تعرفينه .
سارة : إطلاقاً .
خالد : أمر غريب كيف يعرف أنك تلقينني.
سارة : لا أدري .
لم يتعب نفسه أكثر بالتفكير بهذه القضية بل أخذ خالد الورقة من سارة ودسها في جيبه بدون أن يقرأها لأن الظلام حالك ومن المستحيل قرائتها مكث معها حتى قبيل الفجر وهم يتبادلون الحديث كشابين في بداية حياتهم يتبادلون الأحلام والآمال والآلام ثم غادرها خالد على أمل موعد آخر لم يحدد بعد
لقد كانت تحبك يا خالد هل هذا هو جزاء الحب كنت تستطيع أن تكذب وتخبرهم أنك كنت مع محمد صديقك وهو سيقوم بتأييدك هل من الضروري أن تقحمها في مشاكلك لمجرد أنها أحبتك أنت أناني حقاً
ولكني لا أعرف الكذب
لا تكذب ولكن على الأقل لا تتكلم
ولكني كنت في ورطة
لا زلت في ورطتك ولكنك ورطت حبيبتك معك
نعم أبله غبي ولكن يا ضميري هلا تدعني أنام
كيف لقلبك الخائن أن ينام
خالد المسكين لم يتمكن من النوم في السجن كان ضميره يؤنبه بقسوة كانت يتقلب في مكانه على أرض السجن الرطبة ألتفت خالد إلى الرجل الذي بجانبه وقال له : لم أستطع النوم .
الرجل : أنها مشكلتك دعني أنام .
نعم أنها مشكلتي لا أحد يريد أن يكون جزءاً من مشاكل الآخرين لماذا لم أعرف هذه المعلومة قبل ذلك لماذا لم أعرفها قبل أن أخبرهم باسمها
أمضى خالد ليلة قلقة كان ينام دقيقة ويستيقظ ساعة كان يملك ضميراً يقظاَ يدفعه دائماً لقول الحق وفعل ما تطلبه الشهامة والمروءة والشيم والأخلاق وعلى الرغم من فقره إلا أنه تحلى بثقافة عالية كان يحاول أن يكون مثالياً من كل النواحي وما فعله اليوم أعتبره مخالفاً لرسالته في الحياة ..ولكنه بأي حال لا يملك تعويذة الاوبليفيت ليطمس ما قاله من ذاكرة الضابط ..
ها قد تسلل ضوء الشمس من بين قضبان نافذة السجن الوحيدة وانطلقت الأشعة لتطرق جفن خالد ليستيقظ قام خالد بتثقال شديد لم يعهده من جسده ثم أغتسل ليصلي الفجر أستقبل القبلة وصلى وبعدها أخذ يدعو ربه أن يزيل كربه ويفرج همه
” اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماضِ في حكمك ، عدل في قضاؤك أسالك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك ، أو علمته أحداً من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ، ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي” بدأت دموعه تنهمر وهو يردد هذا الدعاء ثم ألتفت على الرجال الذين يجلسون خلفه وسألهم إذا كان لدى أحدهم مصحف نظروا إليه بتعجب وأجابه أحدهم : أنت في سجن ولست في مسجد.
قام خالد وطرق باب السجن وهو ينادي العسكري بأدب جم : يا أخ يا سيد هل لي بمحادثتك لو سمحت .
أتى السجان وهو يكتم الضحك في نفسه وقال ساخراً : ماذا تريد أيه المجرم المحترم جداً .
أرتفع الضحك في السجن تجاهلهم خالد وقال : هل لي بمصحف ؟
السجان : سأبحث لك عن واحد.
جلس خالد بعيداً عنهم ينتظر المصحف فجاء أحدهم وجلس بجانبه
الرجل : السلااااام .
خالد : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته .
الرجل : إذن تريد مصحف .
خالد : نعم .
الرجل : هل أنت متطرف .
خالد : ؟؟؟؟؟؟
الرجل: أعني ما هي جريمتك؟
خالد : لست مجرماً أنا متهم … والمتهم بريء حتى تثبت إدانته.
الرجل : ههههههه ليست تقال هكذا.
خالد : وكيف تقال إذا ؟
الرجل : المتهم مدان حتى تثبت برائته ولو لم تكن مجرماً لما كنت في السجن و كما يقولن لا دخان بغير نار لم يقبضوا عليك بمحض الصدفة يا فتى … والآن أخبرني ما هي جريمتك ؟
قام خالد وهي يشعر بغضب شديد من كلام المتخلف الذي يجلس بجانبه … وطرق باب السجن مرة أخرى .
خالد : يا سيد لازلت أريد مصحف .
جاء الضابط وقال : ليس لدينا مصحف يا سيد مؤدب جداً … أرجوك كف عن إزعاجي ليس من مصلحتك أن أغضب .
خالد : آسف إن كنت أزعجتك .
أبتسم الجندي وقال : إذا كنت تعتقد أننا نعطي جائزة السجين المثالي فأنت مخطئ.
ارتفعت ضحكات المساجين مجددا وانزوى خالد مبتعداً عنهم إلى زاوية بعيداً عن هؤلاء الغير مهذبين وبدأ يراقب بصمت لا يريد أن يفكر ولا يريد أن تتسلل الأفكار البغيضة إلى رأسه المتعب لماذا لا يفهمون أن الفتاة التي ماتت هي أختي حتى الوحوش لا يقتلون ذويهم ماذا يريد أي شخص من قتل الفتاة بعمر الخامسة ما الذي يدفعني لقتل أختي الجواب هو لا شيء طبعاً أنا أحبها ولا أفكر بإيذائها وبالتأكيد لا أفكر بقتلها ولكن ربما أستحق العقاب لأنني أنا من فرط في رعايتها غاص مجدداً في ذاكرته وأخذ يتذكر ذلك اليوم الكئيب.
في عصر ذلك اليوم كان مستلقياً على السجادة العتيقة يقرأ كتاباً لفيكتورهوجو باستمتاع أتت سعاد تجري نحوه وقفزت بمرح على بطنه صرخ خالد بغضب : آآآآه سعاد كم مرة قلت لكي أن تكفي عن هذه المزحة السخيفة.
سعاد : خالد أريد أن أخرج منذ زمن لم أخرج معك في نزهة .
خالد : لا .
سعاد : خالد أرجوك أريد أن أخرج في نزهة أرجوك .
خالد : قلت لك لا .
سعاد : أعدك أن أكون مؤدبة .
خالد : أففففف أنت مزعجة جداً.
سعاد : أرجووووووك .
خالد : حسناً حسناً لنصف ساعة فقط .
قامت سعاد تصفق وتصرخ : هيييييي.
أغلق خالد الكتاب وقام وأمسك بيد أخته ونادى : أمي أنا ذاهب مع سعاد في نزهة .
الأم : أنتبه لأختك يا خالد .
خالد : حسناً إلى اللقاء .
خرجا سوياً إلى الحديقة العامة سارا كثيراً حتى يصلا إليها ولكن سعاد كانت تريد أن تذهب إلى هذه الحديقة بالتحديد كان خالد يحملها طوال الطريق تقريباً وصلا إلى تلك الحديقة وخالد مرهق تماماً ارتمى على العشب ليستمتع برطوبته : سعاد لا تبتعدي .
سعاد : حسناً .
كان الجو مشمساً ونسيم لطيف يلطف الجو أمور جعلت خالد يأخذ غفوة قصيرة من دون قصد لم ينم كثيراً أستيقظ بسرعة وتلفت باحثاً عن سعاد قام من مكانه ونظر حوله ليست موجودة ركض في كل أنحاء الحديقة يصرخ باسمها تعاطف معه الكثيرون وبدأوا يشاركون في عملية البحث غابت الشمس وسعاد لم تظهر يأس الجميع وأبلغوا أسفهم للخالد وعادوا بيوتهم بينما ظل خالد يصرخ منادياً لأخته حتى بح صوته وعجز عن الصراخ .. هل يعقل لشخص صرخ كل هذا الصراخ وحزن كل هذا الحزن أن يكون قاتلها أنا لا أصدق ولكن القانون لا يسمع لمنطق العواطف وهنا تكمن المشكلة.
ــ خالد عادل.
أفاق خالد على صوت السجان قام من مكانه ومد يديه للقيد وخرج إلى حيث لا يدري دخل إلى غرفة صغيرة بها طاولة وكرسيان كان هناك شخص يجلس على احدها ويضع على عينيه نظارة طبية وكان يعبث بهاتفه الخلوي وما أن دخل خالد حتى رفع الرجل رأسه نظر إليه خالد بدهشة وبضيق في نفس الوقت ثم أنزل رأسه إلى الأسفل بخجل وقال : أهلاً يا خالي .
وقف الخال وهو يشعر بالحنق الشديد : أهلاً بك يا أبن أختي العزيز كم أن فخور بك كم أنا سعيد أن ألتقي بك في هذا المكان منذ اليوم سأشير إليك بفخر وأقول للناس أنظروا هذا هو أبن أختي شحاذ فقير ومجرم أنت عار علي فعلاً .
أنفعل الخال بشده إلا أن خالد أجابه بصرامة مهذبة : عفواً يا خال هل جئت إلى هنا لتشتمني.
الخال : توقف عن التصرف بشكل الولد المهذب المحترم ما أنت إلا مجرم قذر أتمنى لو كنت أقاضيه لا أن أحميه .
خالد : أنا لا أريد حمايتك أستطيع أن أدافع عن نفسي .
الخال : ما كنت لأفعل ذلك لولا أن ترجتني والدتك وارتمت على الأرض تقبل قدماي لكي أدافع عنك وأنت تعلم أنني أكرهك وسأكون أول المحتفلين أن خسرنا القضية.
أحس خالد بالألم يقتصر قلبه … أمي قبلت قدماه ليدافع عني ليتك لم تفعلي يا أمي أقبل بالإعدام أو التعذيب حتى الموت إلا أن تتذللي لشخص كخالي إنه أسوء من الموت يا أمي انه أسوء.
يتبع